شجرة مضيئة ونافذة مغلقة
   للكاتبة: حور عوض اليماحي
في ليلةٍ أمسيت بها جمراً ضاعت منه جميع النوى، اشتعلت نيران قلبي حُرقةً وزادها احتراقاً ذلك الهوى، هوى نفسي التي ماطلت لتبعد عني كل ما أحسست بأنه كالحلوى، تذكرت قوله في آخر لقاء: لم يعد عِلاجُكِ يجدي نفعاً توقفي عن إجهاد نفسك بالقدوم إلى المستشفى. عجبت من أمره فلم يكن يوماً بهذه القسوة أو لربما أصبحت بعد أن أنهكني ما يسمى بإمبراطور الأمراض أكثر حساسية من كل كلمةٍ تقال أمامي، أم أنه أصبح دائي بعد أن كان طبيب علتي؟ أسندت ظهري على شجرةِ منزلنا التي لطالما كانت السند له وفتحت نافذة قلبي المكبوت منذ سنين.
  قبل سبع سنوات كنت فتاة عادية جداً أستيقظ مع إشراقة كل صباح أقضي يومي بشكل روتيني بدون إيجابية وبدون تفاعل مع هذه الحياة المريبة فقط طالبة ثانوية مجتهدة، كنت أحب الكتابة كثيراً أجد فيها ملاذي من كل ضيق وهم، أكتب أسبوعياً في دفترٍ وردي حمل أسراري بين ثناياه وشاركني فرح وترح دنياي، كل شيءٍ كان طبيعياً إلى أن أحسست يوماً بإعياء شديد ارتفعت درجة حرارتي بشكلٍ مبالغٍ فيه، وزاد تعرقي بين حين وآخر، استغرب الجميع من حالتي فلم أكن على طبيعتي أبداً نقص وزني كثيراً فقرر والديّ نقلي إلى المستشفى.
بعد إجراء العديد من الفحوصات ظهرت الفاجعة، لم أكن أتخيل يوماً أنه قد يصيبني ما قد أصابني، ربي اربط على قلبي ويسر أمري ولا تعسره، أيعقل في يومٍ وليلةٍ أن أصاب بمرضٍ عضالٍ من الممكن أن يسلب حياتي دون سؤال!
بالفعل كما لم أتخيل يوماً أصبت باللوكيميا أو ما يسمى بسرطان الدم، بدأت علاجي بأسرع وقت علماً بأن الأطباء لم يترددوا بإعطائي جرعة الكيمياوي الأولى ولكنها للأسف لم تتجاوب معي، بعد عدة محاولات استجاب جسمي للجرعة الثالثة، استمرت فترة علاجي طويلاً فقد امتدت من تخرجي من الثانوية وحتى وصولي سنة الامتياز في مجال الطب، نعم لم أجعل مرضي يعيق حلمي، بل زادني رغبةً وإيجابية لتقبل حالي والاجتهاد في دراستي ومعالجة أصدقائي ممن أتعب حالهم ذلك العدو الصديق. جميعكم ستعرفون بالتأكيد لما يكون إمبراطور حياتي عدواً ولكنكم بالتأكيد ستتعجبون من أنني أكنيته بالصديق. أتعلمون؟ هو من جعلني أمشي على جسر القناعة بتوازن أكثر، فقد زاد محبتي وتقربي لجبار القلوب ربي ورب بني البشر.
بعد أن ارتعدت خوفاً من كلماته التي زادت هشاشة خاطري، ذهبت إلى غرفتي وأغلقت الباب، خشيةَ أن يسترق أحدهم السمع فأنا اعتدت ذلك بعد أن أصبت بالسرطان، عزلةٌ دائمة عن الجميع أناجي بها ربي وابتعد عن الأمراض الأخرى لضعف مناعتي، فقد كنت لا أستطيع حتى أن أذهب للاجتماعات العائلية مخافة العدوى ومخافة أن أجرح جرحاً ألقى حتفي بسببه، فمريض اللوكيميا كما لا يعلم الكثير بأن خدشاً بسيطاً من ورقة يعتبر حالة طوارئ بالنسبة له وللأطباء، فتحت سجادتي بكل هدوءٍ، جعلت أبكي في سجودي وأنوح أحاول خفض صوتي ولكن بدون جدوى لأنني متعبة! أبكي وأدعو بالدعاء الذي لا يفارقني ربي اربط على قلبي، ربي اربط على قلبي، أحسست بان جفوني تملك دموعاً لو أنزلته الكون ارتوى، شعرت بعدها بطمأنينة عجيبة بعد هذه السجدة المطولة، سجدت وكأنني أسجد لآخر مرةٍ في عمري، ربي ما أعظمك! تزيل عن قلبي الهمومَ بسجدة، والله لو أنني سجدت لك طيلة حياتي ما عبدتك حق عبادتك ولا شكرتك حق شكرك ، ولا حمدتك حق حمدك.
أنهيت هذه الصلاة المريحة التي أضفت إلى روحي روحاً أخرى، والتي حولت المذبحة التي بصدري إلى بستان ملؤهُ الحياة والسكينة، استغربت من اتصالٍ مفاجئ، يا إلهي إنه الدكتور طلال أيريد أن يزيد ألمي بعد أن رمرمت عظامه؟ ألم يكتفي بما قال؟ تجاهلت الاتصال ولكن سرعان ما روى الفضول فضولي لمعرفة ما يريد وأجبته قبل فوات الأوان، قال لي وبكل فرح: البشارة يا صديقتي البشارة
فأجبته: بشرني يا صديقي لعل الله يبشرك بجنات الخلود
قال: لقد وصلنا للتو في المستشفى علاجٌ جديد لمرضكِ ولكن!
فقلت وأنا تحت تأثير صدمة لا مفهومة: ولكن ماذا؟
قال بتردد: لم يجرب هذا العلاج مع الكثيرين وقلة هم من استجابت أجسامهم وتعافوا بنسبةِ مئةٍ بالمئة ومن الممكن أن تكون له أعراض جانبية
فقلت له بأنني سأستخير ربي ومن ثم أبلغه بما سيحصل معي، وبعد فترةٍ وجيزة قررت أن أخاطر وأجرب ذلك العلاج، وسرعان ما استجاب العلاج معي ولم أكمل عامي الثامن مع السرطان إلا وقد شفيت من المرض تماماً، أصبحت أكثر فاعليةً في المجتمع وسرعان ما ذاع اسمي في مواقع التواصل الاجتماعي محاربة السرطان الدكتورة مريم، تخصصت في علم الأورام وعملت جاهدة لإسعاد كل مريضٍ لدي، أضفيت الابتسامة للكثيرين وأنا سعيدة بما قدمت ولكنني بالطبع أود تقديم المزيد.
وهنا تنتهي قصتي التي لطالما رغبت بأن يسمعها الجميع علها تطمئن قلوباً وتسعد أخرى أو تحزنها بعض الشيء في بداية قصتي، ولكنني أود أن أقول ختاماً: لا حياة بدون أمل ولا أمل بدون حياة، فإن فُقِدَ الأمل ستُفقدُ العافية التي يتمناها المرضى ويغفل عنها مالكوها، فحمداً لرب الرحمة ورب البلاء ورب الشفاء، اللهم إني أسألك شفاءً لا يغادر سقماً لجميع المرضى.
_______________________________________
المدققة: أ. آمنة الحايري   

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فوبيا الفقد